الشيخ محمد الصادقي

389

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

29 - فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ المؤجل دون المعجل ، فإن ذلك من شيمة المعاملة الزوجية ، قضاء لصداقها الأفضل ولا سيما لمثل موسى ( ع ) وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ في طريقه مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً ولأنه كان ليلة قارصة باردة قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا هنا إِنِّي آنَسْتُ ناراً مما يدل على أنها غير النيران المشهودة لمن ينظر لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ هل هي في الحق نار ؟ وإذا أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ استيقادا ، مما يدل على أن الصلي هو الإيقاد ، ف " صالِ الْجَحِيمِ " إيقادها بوقود أنفسهم . 30 - فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ جانب الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ نودي مِنَ الشَّجَرَةِ الخاصة الكائنة فيها أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ والقائل هو اللّه ، حيث حل قوله في الشجرة : " وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا " ( 19 : 52 ) فليس المنادي هو نفسه في جانب الطور ، وإنما النداء كما المنادى . 31 - وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ عساك ترى ما لم تر من عصاك ، فإلقاءها ليس إلغاءها ، بل هو فصل لها عنك إلى إرادة اللّه ، فهي ما هي لموساها عصى ، ثم بانفصالها ككلّ إلى اللّه " حَيَّةٌ تَسْعى " فَلَمَّا رَآها بعد إلقاءها تَهْتَزُّ متحركة كَأَنَّها جَانٌّ حية صغيرة وَلَّى مُدْبِراً عنها وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ إلى عصاك وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ : " إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ . إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ " ( 27 : 11 ) . 32 - و اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مشرقة كالقمر مِنْ غَيْرِ سُوءٍ " آيَةً أُخْرى " ( 20 : 22 ) وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ " وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ " ( 20 : 22 ) مِنَ الرَّهْبِ وهي اليد اليمنى ضما إلى اليسرى من هيبة العصا واليد البيضاء رهبا فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ تربية رسولية إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا منذ كانوا قَوْماً فاسِقِينَ وبروز هذه الآيات التجريبية البدائية مما يدل على أنه أصبح رسولا حينها " فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى " ( 20 : 40 ) وهو قدر الرسالة . 33 - قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً قبل سنين فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ قتلا للدعوة بقتل الداعية . 34 - وَأَخِي هارُونُ هُوَ الآن أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً وفي لساني عقدة الخوف منهم : " وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ " ( 26 : 13 ) " وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي " ( 20 : 32 ) مما تدل على أن عقدة لسانه لم تكن أصلية فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً منعة يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ فتهدر رسالتي في دعوتها ببزوغها . 35 - قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ رسوليا ورساليا : " قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى " ( 20 : 33 ) وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً سلطة وجبروتا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما وصلة تؤذيكما بِآياتِنا التي معكما ، بل أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ في تلك المواجهة الرسولية ، حجة ونفسا إذ تنجون وهم يغرقون .